ابن الجوزي
84
صفة الصفوة
وعن مالك بن دينار قال : لما ولى عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء في رؤوس الجبال : من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس ؟ قال : فقيل لهم : وما علمكم بذلك ؟ قالوا : إنه إذا قام خليفة صالح كفّت الذئاب والأسد عن شائنا . وعن مسلم قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده كاتب يكتب وشمعة تزهر « 1 » وهو ينظر في أمور المسلمين قال : فخرج الرجل فأطفئت الشمعة وجيء بسراج إلى عمر فدنوت منه فرأيت عليه قميصا فيه رقعة قد طبّق ما بين كتفيه . قال : فنظر في أمري . وعن الثقة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أما بعد فإنك كتبت إلى سليمان كتبا لم ينظر فيها حتى قبض رحمه اللّه ، وقد بليت بجوابك . كتبت إلى سليمان تذكر أنه يقطع لعمال المدينة من بيت مال المسلمين ثمن شمع كانوا يستضيئون به حين يخرجون إلى صلاة العشاء وصلاة الفجر ، وتذكر أنه قد نفد الذي كان يستضاء به ويسأل أن يقطع لك من ثمنه بمثل ما كان للعمال ، وقد عهدتك وأنت تخرج من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوحلة بغير سراج ، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم والسلام . وعن رجاء بن حيوة « 2 » قال : كان عمر بن عبد العزيز من أعطر الناس وأخيلهم في مشيته فلما استخلف قوّموا ثيابه اثني عشر درهما : كمّته « 3 » وعمامته وقميصه وقباءه « 4 » وقرطقه « 5 » ورداءه وخفّيه .
--> ( 1 ) أي تضيء وتتلألأ . ( 2 ) هو رجاء بن حيوة الكندي الشامي الفقيه ، روي عن معاوية وطبقته وكان شريفا نبيلا كامل السؤدد ، قال مطر الوراق : ما رأيت شاميا أفقه منه ، وقال مكحول : هو سيد أهل الشام في أنفسهم ، وقال مسلمة : الأمير في كندة رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ، إن اللّه لينزل بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ، بلغ يوما عبد الملك قول من بعض الناس منهم أن يعاقب صاحبه فقال له رجاء : يا أمير المؤمنين قد فعل اللّه بك ما تحب حيث أمكنك منه فافعل ما يحبه اللّه من العفو ، فعف عنه وأحسن إليه . توفي سنة اثنتي عشرة ومائة . ( انظر شذرات الذهب ص 145 ج 1 ) . ( 3 ) الكمة : القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس . ( انظر مختار الصحاح ص 579 ) . ( 4 ) القباء : الذي يلبس والجمع الأقبية وتقبى : لبس . ( انظر مختار الصحاح ص 520 ) . ( 5 ) أي قباء ذو طاق واحد .